فصل: سورة الواقعة:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البحر المديد في تفسير القرآن المجيد (نسخة منقحة)



.سورة الواقعة:

.تفسير الآيات (1- 12):

{إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (1) لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (2) خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ (3) إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (4) وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (5) فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا (6) وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (7) فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (8) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (9) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (11) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (12)}
قال ابن عطية: رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «مَن دوام على قراءة سورة الواقعة لم يفتقر أبداً»، ودعا عثمانُ عبدَ الله بنَ مسعود إلى عطائه، فأبى أن يأخذ، فقيل له: خُذ للعيال، فقال: إنهم يقرؤون سورة الواقعة، وسمعتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم يقول: «مَن قرأها لم يفتقر أبداً» قال ابن عطية: فيها ذكر القيامة، وحظوظ الناس في الآخرة، وفَهْمُ ذلك غِنىً لا فقر معه، ومَن فهِمه شُغل بالاستعداد. اهـ. وقال مسروق: مَن أراد أن يعلم نبأ الأولين، ونبأ أهل الجنة، ونبأ أهل النار، ونبأ الدنيا والآخرة؛ فليقرأ سورة الواقعة. اهـ.
يقول الحق جلّ جلاله: {إِذا وَقَعت الواقعةُ} إذا قامت القيامة، وذلك عند النفخة الثانية، ووُصفت بالوقوع لأنها تقع لا محالة، فكأنها واقعة في نفسها، كأنه قيل: أذا وقعت التي لابد من وقوعها. ووقوع الأمر: نزوله، يقال: وقع ما كنت أتوقعه، وانتصاب {إذا} بمضمر يُنبئ عن الهول والفظاعة، كأنه قيل: إذا وقعت الواقعة يكون من الأهوال ما لا يَفي به المقال، أو: بالنفي المفهوم من قوله: {ليس لِوقعتها كاذبةٌ} أي: لا كذب وقت وقوعها، أو: باذكر، أو: بمضمون السورة قبلها، أي: يكون ما ذكر من نعِيم الفريقين إذا وقعت الواقعة، ثم استأنف بقوله: {يس لوقعتها كاذبةٌ} أي: لا يكون عند وقوعها نَفْسٌ تَكذب على الله، أو: تكذب في نفسها كما تكذب اليوم، لأنَّ كل نفس حينئذ مؤمنة صادقة مصدّقة، وأكثر النفوس اليوم كواذب مكذّبات، واللام مثلها في قوله: {قَدَّمْتُ لِحَيَاتِى} [الفجر: 24]، أي: ظرفية، أي: ليس عند وقوعها كذب، أو: تعليلية، قال الفراء: {كاذبة}: مصدر، كالعاقبة والعالية، وقيل: صفة لمحذوف، كما تقدّم.
{خافضةٌ رافعةٌ} أي: هي خافضة لأقوام، رافعة لآخرين، وهو تقرير لِعظمها وتهويل لأمرها، فإنَّ الوقائع العِظام شأنها كذلك، أو: بيان لِما يكون يومئذ من حَطّ الأشقياء إلى الدركات، ورفع السعداء إلى الدرجات، ومن زلزلة الأشياء وإزالة الأجرام عن مقارها، بنثر الكواكب وتسيير الجبال، كما أبان ذلك بقوله: {إِذا رُجَّتِ الأرضُ رجّاً}: حُرِّكت تحريكاً شديداً حتى تهدِم كلَّ شيء فوقها، من جبل وبناء، وهو متعلق بخافضه، أي: تخفض وترفع وقت رج الأرض، أي: عند ذلك ينخفض ما هو مرتفع، ويرتفع ما هو منخفض، أو: بدل من: {إذا وقعت}، وجواب الشرط: {فأصحاب الميمنة}، والمعنى: إذا كان كذا فأصحاب الميمنة ما أسعدهم، وما أعظم ما يُجازون به، وما أعظم رتبتهم عند الله في ذلك الوقت الشديد الصعب على العالم. وتقديم الخفض الملتّت، من: بسَّ السويق: إذا لتّه، أو: سِيقت وسُيّرت عن أماكنها، من: بسّ الغنم: إذا ساقها، كقوله تعالى: {وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ} [النبأ: 20]. {فكانت} أي: فصارت بسبب ذلك؛ {هباءً} غباراً {مُنبثاً} منتشراً متفرقاً في الهواء، والهباء: ما يتطاير في الهواء من الأجزاء الدقيقة، ولا يكاد يُرى إلاّ في الشمس إذا دخلت في كُوة، {وكنتم} معاشر الخلق، أو: أيتها الأُمة {أزواجاً} أصنافاً {ثلاثة} صنفان في الجنة، وصنف النار، قال قتادة: هي منازل الناس يوم القيامة.
ثم فسّر تلك الأزواج، فقال: {فأصحابُ الميمنة} وهم الذي يؤتون صحائفهم بأيمانهم {ما أصحابُ الميمنة}، تعظيم لشأنهم، و{ما}: استفهام تعجب مبتدأ، و{أصحاب}: خبر، والجملة: خبر المتبدأ الأول، والأصل: فأصحاب الميمنة ما هم؟ أي: أيّ شيء هم في حالهم وصفتهم؟ فوضع الظاهر موضع المضمر زيادة في التعظيم، ومثله: {الْحَآقَّةُ مَا الْحَآقَّةُ} [الحاقة: 1، 2] ونظائرها.
{وأصحابُ المشئمةِ} أي: الذين يُؤتون صحائفهم بشمالهم {ما أصحابُ المشئمة} أي: أيّ شيء هم؟! تعجيب من حالهم الفظيع، أو: فأصحاب المنزلة السنية؛ وأصحاب المنزلة الدنية الخسيسة، من قولك: فلان مِني باليمين، وفلان مِني بالشمال؛ إذا وصفتهما عندك بالرفعة والوضعة، وذلك لتيمُّنهم بالميامن وتشاؤمهم بالشمائل، وقيل: يُؤخذ بأهل الجنة ذات اليمين، وبأل النار ذات الشمال. وقال القشيري: أصحاب الميمنة: هم الذين في جانب اليمين من آدم وقت ذرَّ الذرية من صُلبه، وأصحاب المشئمة الذين كانوا في جانب شماله. اهـ. قلت: وكذلك رآهم النبي- عليه الصلاة والسلام- ليلة المعراج.
{والسابقون السابقون} مبتدأ وخبر، على معنى تعظيم الأمر وتفخيمه؛ لأنّ المبتدأ إذا أُعيد بنفسه خبراً دلَّ على التفخيم، كقوله الشاعر:
أنا أبو النَّجْمِ وشِعْري شِعْري

والمعنى: والسابقون هم الذين اشتهرت أحوالُهم، وعُرفت محاسنهم، أو: والسابقون إلى الخيرات هم السابقون إلى الجنات، وقال أبو السعود: الذي تقتضيه جزالة النظم أنَّ {أصحاب الميمنة}: خبر مبتدأ محذوف، وكذا قوله تعالى: {والسابقون} فإنَّ المترقب عند بيان انقسام الناس إلى الأقسام الثلاثة بيان أنفس الأقسام، وأمّا أوصافها وأحوالها فحقها أن تُبين بعد ذلك بإسنادها إليه، والتقدير: فأحدها أصحاب الميمنة، والآخر أصحاب المشئمة، والثالث السابقون. ثم أطال الكلام في ذلك، فانظره.
واختُلف في تعيينهم، فقيل: هم الذين سبقوا إلى الإيمان، وإيضاحه، عند ظهور الحق من غير تلعثم ولا توان، وقيل: الذين سبقوا في حيازات الفضائل والكمالات، وقيل: هم الذي صلُّوا إلى القبلتين، كما قال تعالى: {والسابقون الأولون مِنَ المهاجرين والأنصار} [التوبة: 100] وقيل: السابقون إلى الصلوات الخمس، وقيل: المسارعون في الخيرات. والتحقيق: أنهم السابقون إلى الله بالمجاهدة والمكابدة، حتى أفضوا إلى مقام المشاهدة، وهو مقام الإحسان.
{أولئك المقرَّبون} أشار إليهم بإشارة البُعد مع قُرب العهد؛ للإيذان ببُعد منزلتهم في الفضل والشرف، أي: أولئك السابقون إلى الله هم المقربون إلى الله في الكرامة والتعظيم، الذي تلي درجاتهم درجات الأنبياء، وهم {في جنات النعيم} أي: ذات التنعُّم، فتَصْدق بالفردوس، التي هي مسكن المقربين، وإنما أخَّر ذكر السابقين مع كونهم أحق بالتقدُّم في الذكر؛ ليقترن ذكرهم ببيان محاسن أحوالهم، ويتخلّص إلى ذكر نعيمهم الآتي، على أنّ إيرادهم بعنوان المسبق مطلقاً مُعْرِبٌ عن إحرازهم لقصب السبق من جميع الأمور.
الإشارة: إذا وقعت الحقيقة المتوقعة للمتوجهين؛ كان من العلوم والأسرار ما لا تُحيط به عامة الأفكار، ووقوع الحقيقة: برزوها معهم، وإشراق أنوارها على قلوبهم، فتفنى الكائنات وتضمحل الرسوم والإشارات، ويبقى الحيّ القيوم وحده، كما كان وحده، ليس لوقعتها كاذبة؛ لا كذب في وقوعها، ولا شك في إظهارها على مَن توجه إليها، وصَحِبَ أهلها، وحطّ رأسه لأربابها، وامتثل كل ما يأمرونه به، خافضة لمن توجه إليها، وَوَصَلَ لأنوارها، وتحقق بأسرارها. يعني: هكذا شأنها في الجملة، تخفض قوماً وترفع آخرين، وإنما تقع لمَن توجه إليها إذا رُجت أرض النفوس منه رجّاً، أي: تحركت واضطربت، بمنازلة الأحوال، وارتكاب الشدائد والأهوال، وتوالي الأذكار، والاضطراب في الأسفار، فإنَّ كُمون سرها في الإنسان كَكمُون الزبد في اللبن، فلابد من مخضه لاستخراج زُبده. وبُست جبال العقل منه بسّاً، فكانت هباءً مُنبثاً؛ لأنّ نور العقل يتغطّى بنور شمس العرفان، ويضمحل كما يضمحل نور القمر إذا طلعت الشمس، وكنتم أيها الطالبون المتوجهون أصنافاً ثلاثة: قومٌ توجهوا إليها، ثم قنعوا بما برز لهم من شعاع أنوارها، وهم عامة المتوجهين. وقوم استشرفوا عليها فلم يطيقوا أنوارها، فرجعوا القهقرى، وهم أهل الحرمان، من أهل المشأمه. وقوم أدركوها، وتحققوا بها ذوقاً وكشفاً، ففنوا وبقوا، سَكروا وصحوا، وهم السابقون المقربون في جنات المعارف، ونعيم الشهود، أبداً سرمداً، جعلنا من خواصهم آمين، وسيأتي إن شاء الله في آخر السورة تحقيق الفرق بين المقربين وأصحاب اليمين.

.تفسير الآيات (13- 26):

{ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (13) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآَخِرِينَ (14) عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ (15) مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ (16) يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (17) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (18) لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ (19) وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (20) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (21) وَحُورٌ عِينٌ (22) كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (23) جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (24) لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (25) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا (26)}
يقول الحق جلّ جلاله: {ثُلّةٌ} أي: هم ثلة، أي: جماعة كثيرة {من الأولين} والثُلة: الأمة الكثيرة من الناس، {وقليل من الآخِرين} ممن يتأخر من هذه الأمة، والمعنى: أن السابقين في أول الأمة المحمدية كثير، وفي آخرها قليل، وذلك أنَّ صدر هذه الأمة كَثُر فيها خير، وظهرت فيها أنوار وأسرار، وخرج منها جهابذة من العلماء والأولياء، بخلاف آخرها، السابقون فيها قليلون بالنسبة إلى عامة أهل اليمين، ويُؤيد هذا قوله صلى الله عليه وسلم: «خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم»، وصرّح في حديث آخر أنهم جميعاً من أمته، فقال: «الفرقتان من أمتي»، فسابق أول الأمة ثلة، وسابق سائرها إلى يوم القيامة قليل. اهـ. من الثعالبي. وقيل: المراد بالأولين: الأمم الماضية، والآخرين: الأمة المحمدية، وهو بعيد أو فاسدٌ، واقتصر في نوادر الأصول على أنَّ الثلة الأنبياء، وخُتموا بمحمد صلى الله عليه وسلم ومِنْ بعده الأولياء، وعددهم قليل في كل زمان. اهـ. وفي المَحلِّي هنا تخليط. انظر الحاشية.
{على سُرُرٍ} جمع سرير، {موضونةٍ} قال ابن عباس: مرمولة، أي: منسوجة بقضبان الذهب، وقضبان اللؤلؤ الرطب، طولُ السرير: ثلاثمائة ذراع، فإذا أراد الجلوس تواضع، فإذا استوى عليه ارتفع، {متكئين عليها} حال من الضمير في الظرف، وهو العامل فيه، أي: استقروا على سُرر متكئين عليها اتكاء الملوك على الأَسِرة، {متقابلين} ينظر بعضهم في وجوه بعض، ولا ينظر بعضهم من أقفاء بعض. وُصفوا بحسن العِشْرة، وتهذيب الأخلاق، وصفاء المودة. وهو أيضاً حال.
{يطوف عليهم} يَخدمهم {وِلدانٌ} غلمان، جمع وليدٍ، {مُخلَّدون} مُبْقَّوْنَ أبداً على شكل الولدان، لا يتحولون عنه إلى الكِبَر، وقيل: مقرَّطون، والخِلَدَةُ: القُرْط، وهو ما يلقى في الأذن من الأخراص وغيرها. قيل: هم أطفال أهل الدنيا، لم يكن لهم حسنات يُثابون عليها، ولا سيئات يعاقبون عليها. وفي الحديث: «أولاد الكفار خُدّام أهل الجنة» وهذا هو الصحيح. {بأكوابٍ} جمع كوب، وهو آنية لا عروة لها ولا خرطوم، {وأباريقَ} جمع إبريق، وهو ما له خرطوم وعروة، {وكأسٍ} أي: قدح فيه شراب، فإن لم يكن فيه شراب فلا يُسمى كأساً، {من مَعينٍ} من خمر، يجري من العيون، {لا يُصَدَّعون عنها} أي: بسببها، أي: لا يصدر عنها صُداع، وهو وجع الرأس، {ولا يُنزَفُونَ} ولا يسكرون، يقال: نزَف الرجل: ذهب عقله بالسُكر، فهو نزيف ومنزوف. وقرأ أهل الكوفة بضم الياء وكسر الزاي، أي: لا ينفذ شرابهم، يقال: أُنزف القوم: إذا نفد شرابهم. وفي الحديث: «زَمزمُ لا تُنْزَفُ ولا تُذَمّ» أي: لا ينفذ ماؤها.
{وفاكهةٍ مما يتَخيَّرون} أي: يختارونه ويأخذون خيره وأفضله، يجنونه بأيديهم، وهو أشد نعيماً وسروراً من أخذه مجنياً، {ولحم طيرٍ مما يشتهون} مما يتمنون مشوياً أو مطبوخاً، {وحُورٌ عِينٌ} أي: وفيها حور عين، أو: لهم حور عين، ويجوز أن يعطف على {ولدان} أي: وتخدمهم حُور عين، زيادة في التعظيم، ومَن قرأ بالخفض عطفه على {جنات النعيم} كأنه قيل: هم في جنات النعيم وفاكهة ولحم طير وحور {كأماثلِ اللؤلؤ المكنونِ} في الصفاء والنقاء.
والمكنون: المصون في صَدفه. وقال الزجاج: كأمثال الدُرِّ حين يخرج من صدفه، لم يُغيرّه الزمان واختلاف الأيدي عليه، {جزاء بما كانوا يعملون} مفعول له، أي: يفعل بهم ذلك لجزاء أعمالهم الصالحة أو: مصدر، أي: يُجزَون جزاء، فنفس الدخول للجنة بمحض الرحمة، وكثرة النعيم والغُرف بالعمل، والترقي باليقين والمعرفة- والله تعالى أعلم- فلا تعارض.
{لا يَسْمَعون فيها} في الجنة {لَغواً} باطلاً {ولا تأثيماً} هذياناً، أو: ما يُؤهم صاحبه لو كف، {إِلاَّ قِيلا} أي: قولاً {سلاماً سلاماً} أي: ذا سلامة. والاستثناء منقطع، و{سلاماً} بدل من {قيلاً} أو: مفعول به ل {قيلاً}، أي: لا يسمعون فيها إلا أن يقولوا سلاماً سلاماً، والمعنى: أنهم يُفشون السلام فيُسَلِّمون سلاماً بعد سلام، أو: لا يسمع كلٌّ من المسلِّم والمسلِّم عليه إلا سلام الآخر بدءاً ورداً. والله تعالى أعلم.
الإشارة: أخبر تعالى أنّ المقربين في الصدر الأول أكثر من الزمان الأخير، وهو كذلك من جهة الكمية، وأما من جهة الكيفية فالمقربون في آخر الزمان أعظم رتبةً، وأوسع علماً وتحقيقاً؛ لأنهم نهضوا في زمان الغفلة، وجدُّوا في زمان الفترة، لم يجدوا من أهل الجدّ إلا قليلاً، ولا من أهل الحق إلا نذراً يسيراً، فحيث نهضوا وحدهم عوّضهم الله مرتبة لم يعطها لغيرهم، ويشهد لهذا قوله عليه السلام: «اشتقت إلى إخواني» قال أصحابه، نحن إخوانك يا رسول الله؟ قال: «أنتم أصحابي، إخواني قوم يأتون بعدي، مِن نعتهم كذا وكذا» ثم قال: «يعدل عمل واحد منهم سبعين منكم» قالوا: يا رسول الله منهم؟ قال: «منكم» قيل: بماذا يا رسول الله؟ قال: «إنكم وجدتم على الخير أعواناً، وهم لم يجدوا عليه أعواناً» وفي حديث آخر، رواته ثقات: قالوا: يا رسول الله؛ هل أحد خير منا؟ قال: «قوم يجيئون بعدكم، فيجدون كتاباً بين لوحين، يؤمنون بما فيه، ويؤمنون بي، ولم يروني، ويُصَدِّقون بما جئتُ به، ويعملون به، فهم خير منكم»، ولا يلزم من تفضيلهم مِن جهةٍ تفضيلهم مطلقاً.
ثم وصف المقرّبين بكونهم على سُرر الهداية، منسوجة بالعِز والعناية، محفوفة بالنصر والرعاية، متكئين عليها، راسخين فيها، متقابلين في المقامات والأخلاق، أي: يواجه بعضهم بعضاً بقلوبهم وأسرارهم، لا تَباغض بينهم ولا تحاسد، تطوف عليهم الأكوان وتخدمهم، أنت مع الأكوان ما لم تشهد المُكوّن، فإذا شهدت المُكوِّن كانت الأكوان معك: يُسقون بأكوابٍ وأباريق من علم الطريق، وكأس من خمر الحقيقة، فلا يتصدّعون من أجلها؛ إذ ليست كخمر الدوالي، ولا يُنزفون: لا يسكرون سُكْر اصطلام، وإنما يسكرون سُكراً مشوباً بصَحْوٍ، إذا كان الساقي عارفاً ماهراً.
وفاكهة؛ حلاوة الشهود، مما يتخيرون، إن شاؤوا بالفكرة والنظرة، وإن شاؤوا بالذِكر والمذاكرة، وكان بعض أشياخنا يقول: خمرة الناس في الحضرة، وخمرتنا في الهدرة، أي: المذاكرة. ولحم طير من علوم الطريقة والشريعة، مما يشتهون منها، وحُورق عِين من أبكار الحقائق، مصونة عن غير أهلها، كأمثال اللؤلؤ المكنون، جزاء على مجاهدتهم ومكابدتهم. لا يسمعون في جنة المعارف لغواً ولا تأثيماً؛ لتهذيب أخلاق أهلها، كما قال ابن الفارض رضي الله عنه:
تُهذّبُ أخلاقَ النّدامى فيَهْتدي ** بها لطريقه العزم مَن لا له عَزْم

ويكرُمُ مَن لا يَعْرف الجودَ كَفّثه ** ويحلُمُ عند الغيظ مَن لا له حِلم

فلا تسمع من الصوفية إِلا قيلاً سلاماً سلاماً، كما قيل في حقيقة التصوُّف: أخلاقٌ كرام، ظهرت من قوم كرام، في زمن كريم. اهـ.